سيد محمد طنطاوي
209
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقال - تعالى - : * ( واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا . . . ) * . والظلال : جمع ظل ، وهو ما يستظل به الإنسان . أي : واللَّه - تعالى - بفضله وكرمه جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر والبرد ، كالأبنية والأشجار ، وغير ذلك من الأشياء التي تستظلون بها . وقوله - تعالى - * ( وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً . . . ) * نعمة ثانية . والأكنان جمع كن - بكسر الكاف - وأصله السّترة ، والجمع : أكنان وأكنّة ، ومنه قوله - تعالى - : وقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْه . . . « 1 » أي في أستار وأغطية فلا يصل إليها قولك . . . والمراد بالأكنان هنا : المغارات والأسراب والكهوف المنحوتة في بطون الجبال . أي : وجعل لكم - سبحانه - من الجبال مواضع تستترون فيها من الحر أو البرد أو المطر ، أو غير ذلك من وجوه انتفاعكم بتلك الأكنان . وقوله - سبحانه - * ( وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) * نعمة ثالثة . والسرابيل : جمع سربال وهي كل ما يتسربل به : أي يلبسه الناس للتستر والوقاية كالقمصان والثياب والدروع وغيرها . أي : وجعل لكم من فضله وكرمه ملابس تتقون بها ضرر الحر وضرر البرد ، وملابس أخرى هي الدروع وما يشبهها - تتقون بها الضربات والطعنات التي تسدد إليكم في حالة الحرب . وقال - سبحانه - : * ( تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) * مع أنها تقى من الحر والبرد ، اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر ، أو اكتفى بذكر الحر لأنه الأهم عندهم ، إذ من المعروف أن بلاد العرب يغلب عليها الحر لا البرد . قال صاحب الكشاف : لم يذكر البرد ، لأن الوقاية من الحر أهم عندهم ، وقلما يهمهم البرد لكونه يسيرا محتملا ، وقيل : ما يقي من الحر يقي من البرد ، فدل ذكر الحر على البرد « 2 » . وقال القرطبي : قال العلماء : في قوله - تعالى - : * ( وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) * دليل
--> ( 1 ) سورة فصلت الآية 5 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 626 .